ابن قيم الجوزية

644

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فصل وقوله : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ يعم الحاسد من الجن والإنس . فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم اللّه من فضله . كما حسد إبليس أبانا آدم ، وهو عدو لذريته ، كما قال تعالى : 35 : 6 إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن ، والحسد أخص بشياطين الإنس . والوسواس يعمهما ، كما سيأتي بيانهما . والحسد يعمهما أيضا . فكلا الشيطانين حاسد موسوس . فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعا . فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم . وتضمنت شرورا أربعة يستعاذ منها : شرا عاما . وهو شر ما خلق . وشر الغاسق إذا وقب . فهذان نوعان . ثم ذكر شر الساحر والحاسد ، وهما نوعان أيضا . لأنهما من شر النفس الشريرة . وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده ، وهو الساحر . وقلّما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان ، وتقرب إليه : إما بذبح باسمه ، أو بذبح يقصد به هو ، فيكون ذبحا لغير اللّه ، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق . والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان . فهو عبادة له ، وإن سماه بما سماه به . فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه ، لا لاسمه ولفظه . فمن سجد لمخلوق ، وقال : ليس هذا بسجود له ، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة ، كما أقبّلها بالنعم ، أو هذا إكرام : لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير اللّه فليسمه بما يشاء . وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به ، وتقرب إليه بما يحب . فقد عبده ، وإن لم يسم ذلك عبادة ، بل يسميه استخداما ، وصدق . هو استخدام من الشيطان له . فيصير من خدم الشيطان وعابديه . وبذلك يخدمه